الشيخ محمد الصادقي

72

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

و « عاكفون » هنا لا تختص بعبادة الاعتكاف ، وانما هي مصداق لها أجلى ، وموضوع الحكم ككل هو الكون في المساجد صائمين كالعاكفين أم غير صائمين كسواهم ، فقد تخصص هذه الآية آية ليلة الصيام مهما كان بينهما عموم من وجه فان مادة الالتقاء هي للعاكفين في المساجد ليلة الصيام ، وآية السلب تنسخ اطلاق السماح لآية الإيجاب ، كما وان آية النساء « وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ » لا تسمح للمجنب كونا في المساجد مهما كان للصلاة « حَتَّى تَغْتَسِلُوا » . ولا صلة لآية السلب بآية الإيجاب إلّا مظنة الحل فيها حتى للعاكفين في المساجد فجاء الحظر المطلق عن مباشرة النساء « وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ » صائمين وغير صائمين ليلا ونهارا ما دمتم في المساجد ، مهما كان الصيام من شروط الاعتكاف مطلقا أم إذا فرضه على نفسه ، أو إذا استطاع ، حيث « عاكفون » أعم من عبادة الاعتكاف أم مطلق العكوف في المساجد مما قل منه أو كثر ما دام هو في المساجد . وهذه المباشرة المسلوبة فيها هي المباشرة المسموح بها ليلة الصيام فليست إلّا الرفث إلى النساء دون ما سواه من اتصالات شهوانية بهن . وهنا « فِي الْمَساجِدِ » تنفي اختصاص عبادة الاعتكاف بالمسجد الحرام أم هو مسجد النبي ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ، فتحلية المساجد باللام تلمح للاستغراق ، فقد يجوز الاعتكاف فيها مطلقا مهما كان الفضل للمسجدين الأعظمين ، وبعدهما للجوامع « 1 » .

--> ( 1 ) . الدر المنثور 1 : 202 - أخرج الدارقطني عن حذيفة سمعت رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) يقول : كل مسجد له مؤذن وامام فالاعتكاف فيه يصلح . و في الفقيه باب الاعتكاف رقم ( 1 ) صحيحة الحلبي : لا اعتكاف الا بصوم في مسجد الجامع . و في التهذيب 1 : 434 في خبر ابن سنان : « لا يصح العكوف في غيرها يعني مكة إلّا ان يكون